بالنسبة لـ فريدا كاهلو فإن هذه الثانية قد جاءت وهي في الثامنة عشرة من عمرها ولكن الغريب في الأمر أن الحادثة التي دمرت حياتها بالكامل تقريباً هي نفسها التي جعلت اسمها يصل لنا حالياً
سنتحدث اليوم عن واحدة من أشهر الفنانات في التاريخ وعن حياة مليئة بالألم والحب والصمود والإبداع.
ولدت فريدا في السادس من يوليو عام 1907 في مدينة مكسيكو سيتي بالمكسيك. وكان والدها "جيرميو كاهلو" مصوراً فوتوغرافياً من أصل ألماني ولكنه هاجر إلى المكسيك بينما كانت والدتها "ماتيلدا" مكسيكية الأصل.
منذ صغرها كانت علاقتها بوالدها قوية جداً فقد كان يرى فيها شخصية مختلفة مستقلة وشجاعة وكانت دائماً تعتمد على نفسها. بيد أن طفولتها لم تكن سهلة على الإطلاق ففي نحو السادسة من عمرها أصيبت بمرض شلل الأطفال. هذا المرض جعل ساقها اليمنى أنحف وأضعف من الساق الأخرى، وبسبب ذلك كانت دائمًا تتعرض للسخرية من الأطفال معها في المدرسة وكانوا ينادونها بألقاب مؤذية.
أي طفل في مكانها كان يمكن أن ينكسر جراء هذا الكلام ولكن فريدا كان لديها عناد غريب منذ صغرها فبدلاً من الاستسلام بدأت تمارس رياضات مختلفة وأنشطة كثيرة لتثبت لنفسها وللآخرين أنها قادرة على فعل كل شيء وان مرضها ليس عائق وكان لديها حلم واضح جداً.. لم تكن ترغب في أن تصبح فنانة بل كانت تطمح إلى أن تصبح طبيبة وهذا أمر لا يعرفه الكثيرون عنها.
وفي عام 1922 التحقت بالمدرسة الوطنية الإعدادية وكانت من ضمن عدد قليل جداً من الفتيات اللواتي قُبلن آنذاك وهناك بدأت شخصيتها تتبلور أكثر فقد كانت ذكية وتتمتع بحس فكاهي قوي.. لكنها لم تكن تعلم أن حياتها ستنقلب رأساً على عقب بعد بضع سنوات.
في السابع عشر من سبتمبر عام 1925 كانت فريدا عائدة إلى منزلها في حافلة برفقة صديقتها وفجأة حدث حادث عنيف بين الحافلة والترام. كان الحادث كارثياً وكانت إصابات فريدا خطيرة للغاية حيث تحطمت عظام كثيرة في جسدها، وتعرض عمودها الفقري لإصابات بالغة الشدة، وتضرر حوضها وساقها بشكل كبير لم يكن الأطباء متأكدين من نجاتها وبقائها على قيد الحياة وقضت شهوراً طويلة طريحة الفراش.
في تلك الفترة أصيبت بحالة اكتئاب شديدة ولكن عائلتها حاولت مساعدتها فأحضروا لها الألوان، والفرش، ولوحات الرسم، وقامت والدتها بتركيب مرآة فوق سريرها لكي تتمكن من رؤية نفسها وهي مستلقية ومن هنا بدأت القصة الحقيقية بدأت فريدا ترسم ولأن الشخص الوحيد الذي كانت تراه طوال الوقت هو نفسها بدأت ترسم ذاتها ولذلك فإن جزءاً كبيراً من أعمالها يتكون من لوحات شخصية (بورتريهات ذاتية).
ربما لم يكن أحد يتخيل حينها أن هذه الأعمال ستصبح من أشهر اللوحات الفنية بمرور الوقت. بدأت حالة فريدا تتحسن تدريجياً وعادت لممارسة حياتها الطبيعية، لكن الألم لم يختفِ قط. في الواقع ظلت فريدا تعاني من آثار ذلك الحادث طوال حياتها وخضعت لعشرات العمليات الجراحية على مدار عمرها.
ولكن في خضم كل هذا بدأت تكتشف شغفها الحقيقي بالرسم. وكان هناك فنان مشهور جداً في المكسيك آنذاك يدعى "دييجو ريفيرا" وكانت فريدا معجبة بفنه وفي أحد الأيام قررت الذهاب إليه بنفسها وحملت لوحاتها لتعرف رأيه في عملها. وعندما رأى دييجو أعمالها انهار إعجاباً وقال إنها تمتلك موهبة حقيقية وفريدة ومن هنا بدأت علاقة ستغير حياة الاثنين معاً.
وفي عام 1929، تزوجت فريدا من دييجو ولكن علاقتهما كانت من أغرب العلاقات في تاريخ الفن فقد كان يكبرها بنحو عشرين عاماً وكان ذائع الصيت وقتها في البداية كانا يتبادلان حباً جماً ولكن حياتهما كانت مليئة بالمشكلات والخلافات والخيانات وفترات من الانفصال والعودة المتكررة. لقد خانها دييجو أكثر من مرة ولكن أكثر ما جرحها هو اكتشافها لعلاقته بشقيقتها "كريستينا".
أثرت هذه الصدمة عليها بشكل كبير وظهر الوجع الذي شعرت به لاحقاً في لوحاتها فكانت ترسم بضع اللوحات ذات اشكال غريبه ورموز غير مفهومه فقد كانت تترجم كل مشاعرها إلى فن.. كل خيبة أمل كل وجع وكل خوف كان يتحول إلى ألوان ورسومات. وفي مطلع الثلاثينات سافرت مع دييجو إلى الولايات المتحدة وعاشت هناك في مدن مختلفة وهناك بدأت شهرتها تتسع لكنها لم تكن مرتاحة تماماً لنمط الحياة الأمريكية وظلت دائماً متمسكة بثقافتها المكسيكية فلذا كانت ترتدي الملابس التقليدية المكسيكية باستمرار وكانت فخورة جداً بهويتها.
في تلك الفترة مرت بتجارب مؤلمة للغاية إذ تعرضت للإجهاض أكثر من مرة بسبب الإصابات التي خلفها الحادث وكانت تتوق إلى أن تصبح أماً ولكن ظروفها الصحية حالت دون ذلك وكانت هذه التجارب من أصعب اللحظات في حياتها. وفي الأربعينات أصبحت فريدا واحدة من أهم الفنانات في المكسيك وبدأت تعرض أعمالها في محافل مختلفة وكان لديها مجموعة من الطلاب أُطلق عليهم لاحقاً "أبناء فريدا" وكانوا يعدون وجودها مصدراً لإلهامهم.
ولكن في الوقت نفسه كانت صحتها تتدهور باستمرار إذ تزايد الألم في ظهرها وساقيها وصارت تقضي أوقاتاً طويلة في المستشفيات وأحياناً كانت ترسم وهي مستلقية على السرير.. لقد غدا الفن وسيلتها الوحيدة للهروب من المعاناة. وفي السنوات الأخيرة من حياتها وصلت حالتها الصحية إلى مرحلة حرجة وفي عام 1953 تم بتر جزء من ساقها ومثل هذا الأمر صدمة كبيرة أثرت عليها بليغ الأثر.
وبالرغم من كل ذلك ظلت متمسكة بالفن وفي السنة نفسها أقيم أول معرض فني فردي لها في المكسيك. نصحها الأطباء بعدم مغادرة المنزل لكن فريدا رفضت وأصرت على الحضور وما حدث يومها أصبح من أشهر القصص المتداولة عنها إذ وصلت إلى المعرض وهي مستلقية على سريرها ووُضع السرير في منتصف القاعة وأحاط بها الضيوف والفنانون وكانت تغني وتضحك وتحتفل معهم.
ولكن بعد عام واحد فقط في الثالث عشر من يوليو عام 1954 وافت المنية فريدا كاهلو عن عمر يناهز سبعة وأربعين عاماً والغريب في الأمر أن شهرتها الحقيقية قد انفجرت بعد وفاتها بسنوات طويلة حيث بدأت لوحاتها تباع بملايين الدولارات وصارت صورتها رمزاً عالمياً للقوة وأصبحت واحدة من أشهر الفنانات في التاريخ ليس لأنها عاشت حياة مثالية بل على العكس تماماً لأنها عاشت حياة مليئة بالألم ومع ذلك حولت هذا الألم إلى شيء مبهج وجميل وإلى مادة ألهمت ملايين البشر.
ربما لم تتمكن فريدا من تغيير كل الظروف القاسية التي مرت بها ولكنها استطاعت أن تفعل ما هو أهم لقد منعت هذه الظروف من أن تكسرها.. ولعل هذا هو السبب الحقيقي وراء استمرار حديث الناس عنها حتى الآن فبعد مرور أكثر من سبعين عاماً على وفاتها لا تزال فريدا كاهلو حاضرة في لوحاتها وفي قصتها وفي روح كل شخص يصر على مواصلة الطريق رغماً عن المرض والآلام.





سرد جميل ومشوق 👏👏💞
رائع استمري ❤️❤️